المقالات
قسم الفقه
مشروع تبسيط المسائل الفقهية
النجَاسَات وَالمطهرات
الفصل الرابع: المطهّرات
14 ـ قالت فاطمة: علمنا النجاسات وأحكامها، فكيف نطهر الأشياء المتنجسة منها وما هي المطهرات.
أحمد: أهم المطهّرات، الماء، ولكن هناك أشياء اُخرى يمكن التطهير بها، مثل الأرض والشمس والاستحالة والإنقلاب والإسلام والتبعية وزوال عين النجاسة عن بدن الحيوان وغيرها. وسأشرح لك ذلك يا بنيتي.
التطهير بالماء:
يمكن تقسيم التطهير بالماء إلى عدة أقسام:
ـ تطهير الماء المتنجس والسوائل الأخرى.
ـ تطهير الأدوات والأجسام.
ـ تطهير الثياب.
ـ تطهير الأشياء التي تنفذ النجاسة إلى أعماقها كالصابونة.
ـ تطهير الأواني ذات الأجواف.
1 ـ تطهير الماء والسوائل:
يقسم الماء من حيث منشئه إلى قسمينك
الأول: الماء الطبيعي، مثل ماء البحر والنهر والبحيرة والبركة والحوض ويسمى الماء المطلق، ونعني بالمطلق أننا أخذناه كما هو من الطبيعة بدون أن نضيف إليه شيئاً من عندنا. ولا يخرجه عن إطلاقه أن يكون فيه ملح كماء البحر، أو فيه تراب كماء النهر، أو فيه أملاح كبريتية كماء الحمامات المعدنية.
الثاني: الماء المضاف، كماء الشاي أو الحبر أو ماء الزهر، وهو كل ماء أضفنا إليه شيئاً من عندنا حتى خرج عن اطلاقه، لذلك لا نكتفي للتعبير عنه بكلمة (ماء) إلّا باضافتها غلى مادة أخرى، كقولنا: ماء الورد، وماء الصابون.. وهكذا.
وحكم هذا الماء أنه ينجس بملاقاة النجاسة، ولا يمكن تطهيره.
وكذلك حكم كل السوائل غير الماء، كالزيت، فانها إذا تنجست لا تطهر، إلّا بالاستحالة كما سنذكره في حينه.
الماء المطلق:
أما الماء المطلق، فيمكن أن يوجد بشكلين:
الأول: أن تكون له مادة، بمعنى أنه متصل بمصدر للماء يمدّه باستمرار، كالحوض المتصل بماء النهر، فهذا لا ينجس بملاقاة النجاسة، إلّا إذا تغير طعمه أو لونه أو رائحته بسببها.
الثاني: أن لا تكون له مادة، وهذا يمكن تقسيمه إلى قسمين حسب كمية مائه:
1 ـ حجمه يبلغ الكر، وهو سعة برميلان، وهو بالحجم يعادل تقريباً حجم مكعب طول ضلعه ثلاثة أشبار، أي يعادل 27 شبراً مكعباً. وبالوزن يساوي 377 كيلو غرام. وحكمه أنه لا ينجس بملاقات النجاسة إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو رائحته إلى لون النجاسة أو طعمها أو رائحتها، فينجس.
حجم الكر ويعادل 27 شبراً مكعباً، أو أي شكل آخر بما يساوي 27 شبراً.
2 ـ حجمه لا يبلغ الكر، مثل ماء جرن الحمام والحياض الصغيرة وماء الكأس، فهذا الماء ينجس إذا لاقى النجاسة مهما كان حجمها صغيراً.
ويمكن تطهيره بوصله بماء الكر (برميلان) أو وصله بالماء الجاري (ماء الفيجة) ، ويكفي لذلك فتح الحنفية فوق الجرن بمقدار بسيط (سلسولة رفيعة) . أما إذا وصلناه بماء قليل فإنّه يبقى متنجساً.
ونضرب الآن عدة أمثلة على الماء القليل إذا اتصل بالكثير:
مثال (1): فإذا كان الجرن طاهراً والماء الذي فيه متنجساً فقط، فعند فتح الحنفية (المتصلة بماء الفيجة) عليه يطهر الماء والجرن.
فإذا أغلقنا الحنفية يبقى الجرن بما فيه طاهراً.
مثال (2): أما غذا كان الجرن والماء متنجسين، وفتحنا عليهما ماء الحنفية، ثم قطعناه، فإنّ الماء والجرن يرجعان متنجسين كما كانا، لأن حواف الجرن الداخلية المتنجسة يعمل على تنجيس الماء القليل بعد قطع ماء الحنفية.
مثال (3): إذا كان الجرن متنجساً ، وكانت الحنفية متصلة ببرميل واحد (أقل من كر) فإذا فتحنا الحنفية يتنجس الماء النازل من الحنفية بمجرد ملاقاته للجرن او للماء الذي فيه، ولا يطهر الماء الموجود في الجرن.
لذلك ينصح بأن يكون في سقيفة الحمام برميلان متصلان ببعضهما، (أكثر من كر)، فيصبح ماء الجرن متصلاً بماء كثير، ويطهر بمجرد اتصاله به، ما دام الماء الذي في البرميلين (مع ماء الجرن أو البانيو) أكثر من كُرّ، وبمجرد أن يصير مجموع الماء فيها أقل من كُرّ ينقلب الحكم إلى الحالة السابقة.
ماء المطر:
ماء المطر يعتبر نوعاً من الماء الذي له مادة، ومادته هي المياه التي تتساقط من الغيوم باستمرار، وبشرط أن يكون ماء المطر متدافعاً.
فإذا سقط هذا الماء على بركة صغيرة متنجسة طهر ماؤها، وطهّر كل شيء يسقط عليه. لذلك فإنّ سطح الأرض ـ إن كان نجساً ـ يطهر في الشتاء من أول مطرة.
ويظل ماء الحوض معصوماً من النجاسة ما دام المطر نازلاً عليه، لأنه يعتبر كالمتصل بالكثير.
وإذا نزل المطر على فراش أو ثوب ونفذَ في جميع أجزائه طَهر، دون الحاجة إلى عصره، شرط أن تكون عين النجاسة مزالة عنه.
حكم ماء الاستنجاء:
الاستنجاء هو تطهير موضع البول، ويكون بصب الماء القيل عليه مرتين، أو الماء الكثير مرة واحدة، والماء المفضل أثناء التطهير يسمى ماء الاستنجاء وهو طاهر.
ويشمل الاستنجاء أيضاً تطهير موضع الغائط، ويكون بغسله بالماء حتى النقاء، أي حتى تزول عين النجاسة، ويعتبر ماء الاستنجاء هنا أيضاً طاهرا، ما لم تتعد النجاسة موضع خروج الغائط، فيصبح متنجسا بها. ويجوز تطهير موضع الغائط بمسحه بثلاثة أحجار طاهرة ما لم تتعّد النجاسة الموضع، فيتعين الغسل بالماء كما تقدم.
ومن الاُمور الهامة ما يطرش من ماء الاستنجاء أثناء التطهير للموضع، بأن يسقط الماء على أرض المرحاض ثم يصيب البدن أو الثوب. فإذا كان الماء المستخدم قليلاً، فإنّ الطرشة تكون متنجسة. وأمّا إذا كان الماء المستخدم كثيراً، كما في استخدام البربيش المتصل بماء الفيجة، فانه يمكن اعتبار الطرشة طاهرة.
2 ـ تطهير الأدوات والأجسام:
خلق الله الماء كسائل ضروري لحياة الإنسان، كما جعله وسيلة لتطهير الأجسام المتنجسة، وذلك بغسلها به على نحو يستولي على المكان المتنجس منها.
فإذا كان التطهير بالماء القليل (عدا المتنجس بالبول) كفى صبّ الماء على الجسم، فبمجرد انفصال ماء الغسالة عنه يطهر . وإذا كان الجسم متنجساً بالبول فيصب الماء عليه مرتين، وتكون الغُسالة الاولى متنجسة، والثانية طاهرة.
أما إذا كان التطهير بالماء الكثير أو المتصل بالماء، فيطهر الجسم بمجرد استيلاء الماء على مكان النجاسة، ويشترط في جميع الأحوال أن تكون عين النجاسة مزالة عن الجسم قبل اجراء عملية التطهير.
ولا يحتاج التطهير إلى نية، بعكس (الاغسال الواجبة والمندوبة) التي لا تصح إلّا مع وجود النيّة.
3 ـ تطهير الثياب:
أما إذا كان المتنجس مما ينفذ فيه الماء، مثل الثوب والفراش، فيتم تطهيره بالماء القليل بصبّه عليه، حتى يستولي الماء على موضع النجاسة، ثم عصره (أو ضغطه بكفه أو رجله في حال الفراش).
فإذا كان متنجساً بالبول، وجب بعد إزالة البول تطهيره بالقليل مرة وعصره، ثم تطهيره مرة ثانية وعصره. فأما الغسالة الأولى فتعتبر متنجسة، وأمّا الثانية فتعتبر طاهرة.
أما في حالة الماء الكثير فيكفي غسله مرة واحدة وعصره، وذلك في المتنجس بالبول أو غيره.
وهنا طريقة أخرى لتطهير الثياب بالماء القليل ، وهي أن يوضع الثوب في طشت ويصبّ عليه الماء، ثم يُدْعَك داخل الماء، ويفرغ الماء الذي في الطشت مباشرة، فيطهر القماش والطشت.
وإذا كان القماش متنجساً بالبول، فتعاد العملية مرة ثانية، فأمّا الغسالة الأولى فهي متنجسة، والثانية فطاهرة.
4 ـ تطهير الأشياء التي تنفذ فيها النجاسة:
هذا وتوجد بعض الأجسام التي لها حالة خاصة، وهي أن النجاسة عندما تلاقيها فانها تنفذ إلى داخلها من مسام صغيرة في سطحها، مثل الصابون والطين والخزف والخشب، فهذه الأجسام يطهر ظاهُرها بالغَسل ولا يطهره باطنها. فمثلاً قطعة الصابون إذا تنجست فيجب تطهيرها مباشرة قبل توغل النجاسة إلى داخلها، لأن النجاسة إذا دخلت إلى أعماقها فانها لا تطهر أبدا.
وفي حالة القبقاب الخشب، فإذا تنجس، فيكفي تطهير ظاهره ويبقى باطنه متنجساً، لأنّ النجاسة تدخل إلى باطنه بسماكة بسيطة.
5 ـ تطهير الأواني:
يتم تطهير الأناء (كالكأس والطنجرة وكل ما هو جاف) بالماء القليل بغسله ثلاث مرات، سواء كان متنجساً بالبول أو غيره، وتتمّ الغسلة بأن يصب فيه شيء من الماء، ثم يدار فيه حتى يستوعب كل أجزائه، ثم يراق الماء، يعاد ذلك ثلاث مرات فيطهر الأناء.
أما التطهير بالماء الكثير فيكفي فيه استيلاء الماء على المكان مرة واحدة.
6 ـ وُلوغ الكلب:
إذا ولغ الكلب (أي شرب) من إناء ـ ويشترط أن يكون قد أدخل لسانه في الماء حتى يتحقق معنى الولوغ ـ فإنّ الإناء لا يمكن تطهيره في هذه الحالة الخاصة بالماء فقط، بل لابدّ من طهارتين: الأولى ترابية والثانية مائية. فيُفْرغ ما في الإناء من ماء، ثم يؤتي بتراب مبلول طاهر ويمسح به جداره الداخلي حتى يستوعبه الطين. ثم يغسل التراب حتى يزول، وهذه هي الطهارة الترابية. ثم يغسل بالماء الكثير مرة واحدة، أو بالقليل مرتين، وهذه هي الطهارة المائية. عند ذلك يطهر الإناء من ولوغ الكلب.
أما لو لحس الكلب ثيابنا أو جسمنا، فلا لزوم للطهارة الترابية بل يكفي الطهارة المائية. وكذا لو لمسنا بدن الكلب المبلول.
وسبب هذا الحكم الخاص لولوغ الكلب في الإناء أن لسان الكلب هو بؤرة مناسبة لتكاثر عصية الكَلَب، ولا يزيل هذه المكروبة من الأواني ويقتلها غير التراب الممزوج بالماء.
7 ـ تطهير اللحم:
إذا عملنا شوربة فيها قطع لحم، وتنجست الشوربة فلا يمكن تطهيرها، لكن يمكن إخراج اللحم وتطهيره وأكله.
8 ـ تطهير الدسم:
قد تتوفر اليد بدسومة اللحم أو الزيت، وفي هذه الحالة تشكل الدسومة طبقة رقيقة على اليد، فإذا كانت الدسومة متنجسة أمكن تطهيرها وهي على اليد باجراء الماء عليها، فتطهر هي واليد، دونما حاجة إلى إزالة الدسومة عن اليد، إلّا إذا كانت كثيفة.
وهذا جدول يوضح أحكام التطهير بالماء الكثير والقليل، في الحالات المختلفة:
الماء الجاري أو الكثير أو المتصل بهما الماء القليل
1 ـ متنجس بغير البول إزالة عين النجاسة ثم:
الأجسام غسلة مرة غسلة مرة
الثياب غسلة وعصره مرة غسلة وعصره مرة
الأواني غسلة مرة غسلة وتفريغ الماء منه (ثلاث مرات)
2 ـ متنجس بالبول إزالة عين النجاسة ثم:
الأجسام غسلها مرة غسلها مرتين
الثياب غسلها وعصرها مرة غسلها وعصرها (مرتين)
الأواني غسلها مرة غسلها وتفريغ الماء منها (ثلاث مرات)
3 ـ ولوغ الكلب في الإناء
طهارة ترابية، ثم طهارة مائية (مرة) طهارة ترابية، ثم طهارة مائية (مرتان).
التطهير بالأرض:
هناك مُطَهرات من نوع آخر غير الماء، تستخدمها في مجالات معينة، مثل التطهير بالأرض والشمس، ومثل الاستحالة والإنقلاب وذهاب الثلثين، ومثل الإسلام والتبعية، وزوال عين النجاسة عن بدن الحيوان.. ولكل منها شروط معنية سنشرحها فيما يلي:
فبالنسبة للأرض فإنها تطّهر باطن القدم وباطن الحذاء بالمشي عليها أو المسح بها. فإذا مشينا على أرض متنجسة فتنجّس باطنُ الحذاء، يكفي أن نمشي على أرض طاهرة جافة حتى تزول عين النجاسة عن باطن الحذاء، فيطهر. أي أنّ زوال عين النجاسة بهذه الطريقة يكفي لطهارة باطن الحذاء، ولا حاجة بعدها إلى تطهير، بالماء، بل أنّ الأرض تكون قد طهّرته.
والمقصود بالأرض التراب والحجر والرمل.
أما الأسفلت الذي هو خليط من رمل وحصى وزفت، فهو لا يعتبر أرضاً إلّا إذا زال الزفت من على سطحها وظهر الحصى. علما بأن الزفت هو مادة من عدة موادٍ تنتج عن تقطير البترول، مثل الفيول والزيوت المعدنية والزفت.
التطهير بزوال عين النجاسة:
شرع الله حكماً خاصاً يستفيد منه الفلاحون الذين عملهم في تماس مع الحيوانات. وهو أن الحيوان إذا تنجس، فبمجرد زوال عين النجاسة عن بدنه فإن موضع النجاسة يطهر، دون حاجة لتطهيره بالماء.
وكذلك فإنّ بواطن أعضاء الإنسان، مثل باطن الفم والأنف والأذن والعين... الخ إذا كان فيها نجاسة كالدم، زالت فإنّ مكانها يبقى طاهرا، لأن بواطن الإنسان لا تنجس، وكذا إذا أكل الإنسان متنجساً وكذا إذا أكل الإنسان متنجساً فبعد بلعه يبقى فمه ولعابه طاهرين، إذا لم يحويا شيئاً من عين النجاسة.
التطهير بالشمس:
الأشياء الثابتة التي تشرق عليها الشمس، كالسطح والأعمدة والجدران وأرض الديار والأخشاب الثابتة، فهذه تطهرها الشمس بشروط:
1 ـ أن تكون مبلولة، وليس عليها عين النجاسة.
2 ـ أن تجف الأرض بسبب أشعة الشمس الساقطة عليها. فإذا كانت الأرض متنجسة وجافة. يسفح عليها قليلاً من الماء الطاهر أو المتنجس، فإذا جفّ طَهُرت هي وباطنها المتصل بها.
3 ـ إذا كان على الأرض بولا، فيفضل صبّ الماء عليه حتى يتمدد جرمه على سطح الأرض، ثم تجففه الشمس، فتطهر الأرض.
الاستحالة:
15 ـ فاطمة: نسمع بأن الاستحالة تطّهر الموارد المستحيلة، وكذلك الإنقلاب وذهاب الثلثين، فما هي علة الطهارة في هذه الأشياء، وهل كلها تعود إلى علة واحدة؟
أحمد: بحَثُنا في هذه المسالة هوبحث علمي، ذلك أن النجاسة تبقى نجاسة طالما أنها لا زالت على عينها النجس، أما إذا حصل لها تغير، كأن تعرضت للنار أو تفاعلت مع مادَة أخرى، بحيث زالت عينها من الوجود واستحالت إلى مادة جديدة، فإنّ المادة الناتجة تكون طاهرة، والإناء الحامل لها يطهر بالتبعية.
وسنضرب فيما يلي عدة أمثلة على ذلك:
مثال الزيت:
إذا كان لدينا زيت وتنجّس، فيمكن بيعه للكافر ليأكله، كما يمكن تحويله إلى صابون، فيطهر بالاستحالة، وهذا التحول هو عبارة عن تفاعل كيميائي، يحصل كما يلي:
زيت + صودا كاوية صابون + گلسرین
فإذا سخّنا الزيت، ويفّضل أن يكون من النوع الرديء الذي حموضته عالية فأن، الصودا الكاوية Na OH تتفاعل معه، طاردة الغلسرين من تركيبه، ومشكلة الصابون، الذي هومركب زيتات الصوديوم.
وبمجرد تحول الزيت إلى صابون، تطهر كل موجودات الإناء مع الإناء ومع المغرفة المستخدمة.
مثال الليب:
وإذا كان لدينا حليب متنجس، فيمكن تحويله إلى جبنة بواسطة (الإنفحة) ثم نغسل الجبنة، وننقعها في ماء متصل بالكثير، فتطهر.
مثال الماء:
أما الماء المتنجس فيمكن الحصول على ماء طاهر منه بالاستحالة، وذلك بتبخيره بالحرارة، ثم تكثيفه على جسم بارد (صحن مثلا) فيتحول البخار إلى ماء، ويكون هذا الماء طاهراً.
وهذه العملية تشبه تشكل المطر من ماء البحار بعد تحوله إلى سحاب.
وهذا ما يحدث في الحمام، فيما أن الحمام صغير ومحصور، فإنّ بخار الماء المنبعث من الماء الحار يصعد إلى أعلى الحمام، فيلاقي السقف البارد.
فيتكاثف عليه بشكل قطرات من الماء، لا تلبث أن تسقط من السقف، فهذه، القطرات طاهرة، وإن كان الماء الأصلي الذي تولدت منه متنجساً.
هذا وإن مفهوم الاستحالة مفهوم عُرفي، أي تابع للعرف، والعُرْف هو منطق الإنسان العادي، ففي حين نعتبر انتقال الماء من الطور السائل إلى الغزي (البخار) استحالة، فإنّ إنتقال الماء من الطور السائل إلى الصلب (جليد) لا يعتبر استحالة.
فالإنسان العادي يعتبر البخار شيئاً غير الماء، بينما يعتبر الجليد ماءً ولكنه مجُمّد.
مثال الفحم:
ومن أمثلة الاستحالة تحوّل الخشب إلى رماد بالحرق.
أما تحوّل الخشب إلى فحم فهو استحالة علميا، لأن السللوز الموجود في الخشب يتحول بعملية التفحيم إلى فحم يتم ذلك بوضع قطع الخشب في اسطوانات حديدية محكمة السد، ثم تسخن هذه الاسطوانات وتدّور فيتحول الخشب إلى فحم في معزل عن الهواء. ورغم أنّ هذه العملية هي استحالة علميا، لأن الفحم شيء مختلف كليا عن الخشب، فإن علماءنا لا يعتبرونها استحالة، بدعوى أن الفحم ما هو إلّا خشب تبدل لونه إلى الأسود.
السمن الاصطناعي:
ومن أنواع الاستحالة تحويل الزيوت النباتية إلى سمن اصطناعي عن طريق الهدرجة، فيقوم الهدرجين باشباع الروابط غير المشبعة في الزيت فيتحول إلى سمن نباتي، ومن هذا القبيل تحول زيت النخل وزيت دوار القمر وزيت الذرة وزيت القطن إلى سمنة نباتية. والسمنة الناتجة أكثر قيمة غذائية من الزيت، وأخف على المعدة من السمنة البلدية.
التطهير بالانقلاب:
الخل:
رغم أن صنع الخل من الخمر هو نوع من الاستحالة إلا أن علماءنا أعطوه تسمية خاصة هي (الانقلاب) فقالوا: انقلاب الخمر إلى خل.
ويصنع الخل عادة من المواد السكرية الموجودة في العنب وغيره.
وتشمل هذه العملية عمليتي استحالة، الأولى يتحول فيها السكر إلى كحول، والثانية يتحول فيها الكحول إلى خل، وتحتاج هذه العملية أكثير من أربعين يوماً، وتتم وفق التفاعلين التاليين:
سكر العنب + خمير البيرة كحول ايتيلي (خمر)
كحول ايتيلي + خميرة الخل حمض الخل (خل)
ويمكن تحويل الخمر مباشرة إلى خل. وإذا قطّرنا الخل الناتج بعد تصفيته نحصل على روح الخل الذي هو حامض الخل CH3. COOH فالخل هو حامض خل ممدد بالماء، ومعه بعض الشوائب التي تعطيه لونه الوردي.
وبمجرد انقلاب الخمر إلى خل فإنه يطهر: وإذا حصلنا على الخل من العنب، فإنّ المزيج لا يجوز شربه لأنه يكون نجساً، وبعد انقلابه إلى خل يطهر هو والإناء والأدوات المستخدمة في صنعه.
ذهاب الثلثين:
ومن أنواع الانقلاب أن نغلي الخمر حتى يذهب ثلثا حجمه، عند ذلك ينقلب إلى دبس، ويطهر السائل والإناء كالسابق.
الطهارة بالإسلام:
قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ﴾فهم عين النجاسة. والمقصود بالممشَركينفي الآية مشركو أهل مكة عَبَدة الأوثان، وإن كان الحكم يشمل كل الكافرين، وهذه النجاسة هي نجاسة مادية منطلقة من نجاسة معنوية ناتجة عن عدم الاعتقاد بالله الواحد الأحد. ولعل من مرابي هذه النجاسة الاعتبارية أن يبتعد المسلم عن غير المسلمين، فلا يحتك معهم ولا يؤاكلهم ولا يشاربهم.
وبالنسبة لبحثنا فإذا حكمنا على شخص بالكفر فإنه يكون نجسا هو وأولاده أيضاً، وذلك حسب مفهوم التبعية، فإذا أسلم وتشهد الشهادتين أصبح طاهرا هو وأولاده غير المميزين.
الطهارة بالتبعية:
ذكرنا آنفا صورة من صور الطهارة بالتبعية، وهي طهارة الطفل غير المميز إذا أسلم أبوه، فإذا بلغ فغن التزم بالاسلام ظل طاهرا وإن خالف أباه رجع نجسا.
كما ذكرنا سابقاً أمثلة الطهارة بالتبعية، وذلك في بحث الاستحالة والإنقلاب وذهاب الثلثين، وقلنا أنه في هذه الحالات إذا استحالت المادة التي في الإناء إلى مادة جديدة، طهرت وطهر معها الإناء وتوابعة.
فاطمة: شرحتَ يا أبتّ فأوفيتَ، فجزاك الله على ما أعطيتَ وأسديتَ، وعلى ما أرشدتَ وهديت.
اكثر قراءة